Return to site

عزلة وسط الزحام

الجزء الأول

ليست أحداث طفولتي المحزنة هي ما أظنه أهم جزء في قصتي. إنها الوحدة القاتلة التي طوقتني بسببها لزمن لم أعد أكترث لعد سنواته. لقد ولدت في بيت لم يكن كثير الأطفال، فقط أنا روح أخرى تكبرني هماً بكثير وعمراً بقليل. وكنا عائلة تنتمي اقتصادياً للطبقة محدودة الدخل، فلا مدارس خاصة ولا ترفيه يزيد عن الذهاب للبقالة حيث يمكن الظفر بقطعة حلوى أو ما شابه. كانت أمي كثيراً ما تتفاخر بشرائها لنا أفضل الألعاب ربما لتقنع نفسها أنها أفضل في التربية من أمها – جدتي -التي تطلقت من خمسة من الرجال. لقد كان البيت هو المكان الاكثر استحواذاً على معظم وقتي رغم مطالباتي الملحة على استكشاف العالم. تعرفت سراً على كهف غامض بديع في بيتنا الكئيب المتواضع. كنت أجمع فيه بعض الأحجار التي تلمع معادنها والتي وجدتها في باحة الأرض المجاورة لبيتنا. وقد كنت اقتنص فرصة غياب أبي المستمر ونوم أمي الطويل في عطلة نهاية الأسبوع لكي أجمع أكبر قدر ممكن من تلك "النفائس" في رحلة واحد. كان هذا الكهف يجاور عمود بناء في السطح كان مؤملاً أن يساند دوراً إضافياً ولكن هذه الخطة لم تر النور أبداً فقررت الاستفادة منه في إسناد ظهري لهذه الحياة الموحشة والانشغال بالنظر للمعان تلك الصخور الصماء. أظنني – ولست متأكداً-أنني كنت أتحدث معها أحياناً. ماذا كنت أقول لها؟ زفرات وكلمات كهذه: ما أسعدك بالمقارنة بي، انت هنا من عشرات السنين، بلا حراك أو شكوى. تزداد قيمة كلما ازددت قدماً، وتسافر مع الريح إذا صرت فتاتاً، أما أنا فحبيس برجلين متعافيتين، ووحيد بين أفراد يحملون مجرد ألقاب جوفاء: أبٌ، أمٌ وأخ أكبر.

All Posts
×

Almost done…

We just sent you an email. Please click the link in the email to confirm your subscription!

OKSubscriptions powered by Strikingly